الأحد، أغسطس 26، 2012

العامية والحروف اللاتينية



إن الدعوة إلى العامية وإحلالها محل الفصحى، لا مراء في أنها دعوة استعمارية لتمزيق الكيات القومي، لأن هدفها التقوقع، والانفصام، وإثارة التعصب الأقليمي، وتحطيم جوهر التراث العربي .. فالعربية الفصحى – في رأي خصومها من أبنائها – "لغة لا ترضي المثقفين في العصر الحاضر لأنها لا تخدم الأمة ولا ترقيها بل هي سبب من أسباب التأخر الاجتماعي .. شاذة تحتاج إلى إجراء شاذ .. خرساء جامدة لا تتغير .. وفي العالم مائة علم وفن لا يمكن أن نعرفها إلا إذا تركنا هذه العربية، ونطقنا بلغة أخرى .. واستبدلنا الحرف العربي بالحروف اللاتينية".

ما مبعث هذه الآراء؟ أصيلة أم مستوردة؟ لو رجعنا إلى القرن التاسع عشر الميلادي في بواكير الاستعمار الإنجليزي لمصر، لعرفنا أنها صدى لأبواق المستعمرين، أمثال المهندس "وليم ولكوكس"، والقاضي "سلدون ولمور"، الذين قاموا بنشاط خطير للترويج للعامية، ففي عام 1893م نشر "ولكوكس"محاضر بعنوان "لِمَ لم توجد قوة الاختراع لدى الآن؟" زعم فيها أن أهم عائق يمنع المصريين من الاختراع هو أنهم يؤلفون ويكتبون باللغة العربية الفصحى، وأنهم لو ألفوا وكتبوا بالعامية لأعان ذلك على إيجاد ملكة الابتكار وتنميتها.

وبعد ذلك بثمانية سنوات أي في عام 1901م نشر "ولمور" كتاباً بالإنجليزية بعنوان "العربية المحكية في مصر" اقترح فيه ضبط العامية حتى تصير صالحة للكتابة، وكتابتها بحروف لاتينية لأن الحروف العربية لا تصلح للكتابة العامية، واقترح جمع الأدب العامي ونشره، وأن يكون التعليم بالعامية إجبارياً، ورأى أن وقتنا قصيراً في هذا التعليم حدده بعامين سيكون كافياً لنشر القراءة في البلاد، وناشد المصرين الاستجابة إلى دعوته لأن نتيجة معارضتها هي انقراض العامية والفصحى معاً، واحلال لغة أجنبية محلها فليقبلوا أخف الضررين.     

ولعل أخطر ممارسة عملية في هذا المجال ما يقوم به "سعيد عقل" الأديب المعروف، فالرجل قد اخترع أبجدية للغة العربية – العامية بالأحرى – تكتب بحروف لاتينية قوامها 36 حرفاً تقابل الحروف العربية الثماني والعشرين، وأسس لمشروعه الخطير مطبعة خاصة كبيرة تطبع كتباً مؤلفة ومترجمة لكنها جميعاً بالعامية اللبنانية.

إنها دعوة سافرة مدروسة، تتلقى ذاتها من وراء ذاتها وتهدف لطمس معالم الشخصية العربية، وبخاصة خلفيتها الفينيقية. وممن يدخل في هذه البطانة "يوسف الخال" صاحب مجلة شعر التي لفظت آخر أنفاسها في نهاية عام 1965م.

وأعجب ما في الأمر أن هؤلاء الدعاة لا يستخدمون العامية في الدعوة لها بل العربية الفصحى، وفي هذا أكبر حجة عليهم.
                                                                                    
المصدر: كتاب الغزو الفكري في العالم العربي – عبد الله عبد الجبار – المكتبة الصغيرة: الطائف:44-48.

هناك 23 تعليقًا:

صالح السيد رهين المحبسين يقول...

مقال جميل سيدتي ورائع بروعة اختيالرك الدائم للمواضيع ذات الصله بامتنا ولغتنا الحبيبه
المشكله اننا نسيناها وبدانا نخلط بين حروفها واشاراتها والله المستعان

7ekaya يقول...

أشكرك غاليتي على هذا الطرح الرائع فأنا منذ صغري وأنا يؤرقني هذا الموضوع ويستفزني كثيرا هذا هراء المنتشر في كل شيء في القصص والروايات والإعلانات والتلفاز والجريدة والقصيدة وكل شيء حولنا أصبح ( عامي )


المشكلة الكبيييييييييييييييرة جدا أن تجدي من يقال عنهم نخبة لا يعرفون عن اللغة العربية إلا النزر اليسير فهكذا تعلموا وهكذا تربوا وهكذا يعلمون أولادهم وهكذا يخلارج لنا كل يوم نخبة من نوع جديد ولغة جديدة

أعتذر للإطالة
وشكرا للموضوع الشيق
تحياتي

زينة زيدان يقول...

مقال رائع وله صياغة ذات وقع متميز على القاريء.. و كذلك يحمل الاعتزاز والانتماء للغة العربية
إن هذه الدعوات المجحفة والمسيسة سواء من الغرب أو ممن يجارونهم لن تجد لها صدى وإن ظهرت فهي لا تتعدى كونها عارضة تنتهي وستنتهي..
اللغة الفصحى محفوظة بإذن الله
ووعد منه فهي لغة القران الكريم
ولغة رسوله
" إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"

اشكركِ كريمة على هذه الصياغة المتميزة وهذا النقل الطيب

Israa' A. Youssuf يقول...

مقال جميل يا كريمة, يعكس مايحدث حولنا بشكل دائم دون أدنى التفات من الأغلبية العظمى..

تحياتي الصادقة..

m.hallawa يقول...

مساء الخير والفل والياسمين كريمة

طرح طيب الله يكرمك دائما متميزة في أنتقاء المواضيع زميلتي العزيزة كريمة

مع خالص تحياتي واحترامي

جوودي يقول...

مقال رائع وبالفعل هذا مايحصل في عالمنا وتحت اطار العولمة ولكن ليس هناك عولمة على حساب لغة القرآن شكراً لطرحك الرائع وعسى ان يكون غداً افضل ولغتنا باحسن حال ومايفرح ان هناك امثالك تشغلهم لغة الضاد فكونوا بخير...
****
لروحكِ اجمل الورود
(Joody)

ذ محمد أبو عز الدين يقول...

و ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين
اختيار موفق أختي وجاء في وقت ناسب و ليت الرب يدركون أنهم مشكلة لغتهم وهي تعاني نتيجة وضعهم المزري اليوم...
تصورواأن حدث الربيع العربي في 2011 وصل صداه الغرب ألم تردد عبارة " الشعب يريد اسقاط .." في ولستريت ؟؟؟؟
تحياتي

هبة فاروق يقول...

مقال رائع ومعلومات كنت اجهلها عن ما يدعون لطمس معالم اللغه العربيه
بوركت وتسلم الايادى يا كريمه

ليلى الصباحى.. lolocat يقول...

السلام عليكم

العربية الفصحى لغة القرآن الكريم للاسف ادرك اهميتها الاعداء اكثر من اصحابها وحامليها

بوركت غاليتى على المقال القيم الرائع ونفعنا الله به نحن واياك وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون احسنه


تحياتى وتقديرى

سواح في ملك اللــــــــــــــــــه- يقول...

نزل القرأن الكريم بالعربية الفصحي انذاك

لينافس ويباري اباطرة اللغة العربية في ذلك الوقت ويتحداهم ان يأتوا بسورة من مثله

لآن للعة العربية حلاوة في الاحساس والتعبير

ولكلماتها ايجاز لآيصال المقصود بدقة

تحيتي علي المقال

سكر زيادة يقول...

اللغة العربية لغة باقية إلى الأبد لا تندثر ولا تذهب مهما حاول البعض لانها لغة القران الكريم دمت مبدعة بقلمك و أفكارك

ريـــمـــاس يقول...

صباح الغاردينيا غاليتي كريمة
وهل أجمل من لغتنا العربية
لغة القرآن الكريم مكتنزة بالجمال والمعنى لذلك كانت مطمع لأعدائها لطمس ملامحها وجمالها "
؛؛
؛
دائماً راقية ومتميزة في طرحك
لروحك عبق الغاردينيا
كانت هنا
reemaas

~ISLAM~ يقول...

اجمل لغه فى العالم اللغه العربيه

لغة عجز العالم امامها

انا بكتب عاميه ولكن الفصحى هى اول الامر ونهايته مفيش شك فى كده

ربنا يستر على الاجيال الجايه

شهرزاد المصرية يقول...

جميل يا كريمة كالعادة

طبعا ذه دعوة مرفوضة، فالكلمات العامية تتغير مع الوقت فمعنى هذا ان كتابا كتب اليوم بالعامية المصرية مثلا قد يجئ مصرى ليقرأه بعد مائة عام و لا يفهم منه الكثير

العامية قد تصلح لمقطوعات قصيرة أو أشعار أو أغانى أما لعمل كبير فلا تصلح و سيظل ما يكتب بها محدودا بأبناء البلد التى ينتمى لها الكاتب
ككاتبة لا أفهم لم أكتفى بأبناء وطنى فقط فى حين يمكن أن أحصل على أبناء وطنى العربى الكبير و كل من يعرف لغة القرآن المجيد؟

شكرا لك يا عزيزتى

semsma ahmed يقول...

كما تعودنا دائما اختي الغاليه كريمه
مقال اكثرمن رائع
هي حرب شرسه علي لغتا العربيه لغه القرآن لاخفاء معالمها وابدالها العاميه ولكنها باقيه رغم اي محاولات فهي الاسهل والاجمل في التعبير والاكثر تأثير في العقول

mohamed يقول...

استفدت فعلا من المقال
تحياتى لك

Deyaa Ezzat يقول...

دراسة مهمة جدا ومقال رائع

بشكرك عليه

شخصيا من المؤيدين جدا لفكرة العامية وإنها لغة مستقلة.. لكن مع الإحتفاظ بتعليم الفصحى والحفاظ عليها جداااااااااواستخدامها والإهتمام بيها

ريبال بيهس يقول...

مساء الورد كريمة

للأسف الحرب على اللغة العربية الفصحى

واضحة ولا تخفى على أحد وقد تكون في

أشد صورها عندما يُنظر لمن لا يتكلم

باللغة الإنجليزية أو أي لغة أجنبية

أخرى نظرة دونية تحمل الكثير من التخلف

كون الفصحى العربية قد عفا عليها

الدهر وهنا نلقي باللوم على الجميع

فالمؤتمرات والإختراعات والبحوث

والأجهزة لاتحمل سمة العربية سواء

الفصحى أو حتى العامية ولكن أن تُهاجم

من ابنائها فهذا مالم نفهمه ولا يكاد

يعقل فكيف برجل يحور لغة القرآن

ويخترع لغة جديدة من عنده موازية

للغتنا دون هدف غير هدمها ؟؟

هي لغة القرىن وبإذن الله مهما حاولوا

فلن ينالوا منها ..

تحياتي وإحترامي

ذو النون المصري يقول...

الدعوة مرفوضة شكلا و مضمونا
لان اللغه هي الرباط الذي يربط شعوب المنطقة ببعضها و يربطها بدينها و تراثها القديم

بسمة الورد يقول...

مساؤك هنا وسعاده اختى الغالية كريمة

رائع جدا ما تقدمين لنا معلومات قيمة مهمة

ادام الله عليك الرقى غاليتى

مودتى وحبى

شمس النهار يقول...

اذا تكلم المغربي بلهجته العامية لم يفهمه باقي الوطن العربي
ولكن اذا تكلم باللغة العربية
فهمه كل الوطن العربي
اللغة العربية هي اولي مقاومات الوحدة والقوة في الوطن العرب

بوح القلم يقول...

الكتابه باللغه العربيه الفصحى تعطي جمال للكتابه وتمكن الكاتب من الامساك بزمام القلم
شكرا لكِ لذكرك تاريخ محاولة الكتابه بالعاميه

كريمة سندي يقول...

بارك الله فيكم إخوتي في الله وجزاكم الله خير الجزاء